ملتقى أبناء منطقة الفيوم الأزهرية

ملتقى أبناء منطقة الفيوم الأزهرية

ملتقى أبناء منطقة الفيوم الأزهرية يرحب بكم

    أنواع التفسير

    شاطر
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:15 am







    بسم الله


    * أقسام التفسير:

    1- التفسير بالرواية أوالتفسير بالمأثور.
    2- التفسير بالدراية أوالتفسير بالرأي.
    3- التفسير بالإشارة أوالإشاري.

    ومن نظر إلى كتب التفاسير عمومًأ يجد منها ما يشتمل على أحد هذه الأقسام ومنها ما يشتمل على اثنين ومنها ما يشتمل على الثلاثة أقسام.وإنما ترتفع قيمة التفسير كلما كان يحتوي على صحة الرواية وقوة الدراية, مع سلامة العقيدة والبعد عن الهوى, وتهبط بعكس ذلك.

    * ما هو التفسير المأثور؟

    يشمل التفسير المأثور :
    1- ما جاء فى القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته.
    2 -وما نُقل عن الرسول .
    3- وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم.
    4- وما نُقِل عن التابعين، من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.

    وإنما أدرجنا فى التفسير المأثور ما رُوِىَ عن التابعين - وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأى - لأننا وجدنا كتب التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ذِكْر ما رُوِىَ عن النبى وما رُوِىَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين فى التفسير كالحسن البصري وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم ومجاهد وقتادة وغيرهم.

    أما تفسير القرآن بالقرآن. أو بما ثبت من السُّنَّة الصحيحة، فذلك مما لا خلاف فى قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف. ولا يجد الشك إليه سبيلاً.
    وأما ما لم تصح نسبته إلى النبى لطعنٍ في السند أو المتن فذلك مردود غير مقبول.
    وأما تفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، ففيه ما ثبت عنهم بالسند الصحيح , وفيه ما نقل عنهم بالسند الضعيف, بل وفيه ما نسب إليهم كذبًا وليس من كلامهم. وقيض الله تعالى من العلماء مَن بيّن الصحبح من السقيم, وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطاً فى كثير من الكتب التى عَنِىَ أصحابها بجمع شتات الأقوال ولم يكن عندهم مَلَكة التحري. ولذلك ستجد كثيرًا ما يذكر بعض مفسري الشيعة وغيرهم من أهل البدع آثارًا –لا تثبت- ثم يحتجون بأنها موجودة في كتب أهل السنة ليعمُّوا على القاريء الأمر فيظن صحة ما ذكروه لمجرد أنه مذكور في بعض التفاسير عند أهل السنة, وليست العبرة بعدد من رواه وإنما العبرة بصحة السند إلى قائله, فكم من الأحاديث والآثار ليس لها إلا طريق واحد ولكنها صحيحة لأنها استوفت شروط الصحة المعروفة عند المُحَدِّثين, وكم من حديثٍ تعددت طرقه ولا قيمة لها لأن جميع طرقه لا تخلو من كذاب أو متهم بكذب, بل من المعلوم عند المحدثين أن الحديث الذي كثرت طرقه ولكن لا تخلو من كذاب أو متهم, فإن كثرة الطرق لا تقويه بل تزيده ضعفًا على ضعفه لتوارد الكذابين عليه . بخلاف الحديث الذي ليس في طرقه وضاع أومتهم بكذب فهذا قد يتقوى بكثرة الطرق.

    ومن الصحابة المكثرين في التفسير: عبد الله بن عباس وهو أكثرهم ببركة دعوة النبي له, فقد روى الإمام أحمد والطبرانى عن ابن عباس أن الرسول دعا له فقال: " اللهُمَّ فَقهه في الدين وعَلِّمْهُ التأويل ".وعند البزار : " اللهم علمه تأويل القرآن "
    ثم عبد الله بن مسعود ثم علي بن أبي طالب ثم أبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين. وكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر من كذب الناس عليهما في التفسير , لكونهما من آل البيت ,فيكون المنسوب إليهما أولى بالقبول والرّواج, وأيضًا لظروف سياسية ومذهبية فمن أراد إرضاء خلفاء بني العباس وضع أثرًا ونسبه إلى ابن عباس, وكذلك فعل الشيعة مع علي رضي الله عنه وأهل بيته.


    وللحديث بقية...
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:15 am


    * طرق التفسير عن ابن عباس:

    روُِى عن ابن عباس رضى الله عنه فى التفسير ما لا يُحصَى كثرة، وتعددت الروايات عنه، واختلفت طرقها، فلا تكاد تجد آية من كتاب الله تعالى إلا ولابن عباس رضى الله عنه فيها قول أو أقوال، الأمر الذى جعل نُقَّاد الأثر ورواة الحديث يقفون إزاء هذه الروايات التى جاوزت الحد وقفة المرتاب، فتتبعوا سلسلة الرواة فعدَّلوا العُدول، وجرَّحوا الضُعفاء، وكشفوا للناس عن مقدار هذه الروايات قوة وضعفاً. وأرى أن أسوق هنا أشهر الروايات عن ابن عباس، ثم أُبيِّن مبلغها من الصحة أو الضعف، لنعلم إلى أى حد وصل الوضع والاختلاق على ابن عباس رضى الله عنه.
    وهذه هى أشهر الطرق:
    أولها: طريق معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس، وهذه هى أجود الطرق عنه، وفيها قال الإمام أحمد رضى الله عنه: "إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها علىّ بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها مصر قاصداً ما كان كثيراً". وقال الحافظ ابن حجر: "وهذه النسخة كانت عند أبى صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علىّ ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهى عند البخارى عن أبى صالح، وقد اعتمد عليها فى صحيحه فيما يُعلِّقه عن ابن عباس".وفي الحقيقة لم يسمع علي بن طلحة من ابن عباس وإنما أخذها علي عن مجاهد عن ابن عباس. ولكن أسقط علي مجاهدًا وهو ثقة,فلم يضر, وحسبك بتفسير مجاهد عن ابن عباس.
    وكثيراً ما اعتمد على هذه الطريق ابن جرير الطبرى، وابن أبى حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبى صالح. ومسلم صاحب الصحيح وأصحاب السنن جميعاً يحتجون بعلىّ بن أبى طلحة.

    ثانيها: طريق قيس بن مسلم الكوفى، عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيراً ما يُخَرِّج منها الفريابى والحاكم فى مستدركه.
    ثالثها: طريق ابن إسحاق صاحب السير، عن محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهى طريق جيدة وإسنادها حسن, وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبى حاتم كثيراً، وأخرج الطبرانى منها فى معجمه الكبير.
    رابعها: طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، تارة عن أبى مالك، وتارة عن أبى صالح عن ابن عباس. وإسماعيل السدى مُختلَف فيه، وهو تابعى شيعى. وقال السيوطى: "روى عن السدى الأئمة مثل الثورى وشعبة، لكن التفسير الذى جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدى" وابن جرير يُورد فى تفسيره كثيراً من تفسير السدى عن أبى مالك عن أبى صالح عن ابن عباس، ولم يُخَرِّج منه ابن أبى حاتم شيئاً، لأنه التزم أن يُخَرِّج أصح ما ورد.
    خامسها: طريق عبد الملك بن جريج، عن ابن عباس، وهى تحتاج إلى دقة فى البحث، ليُعرف الصحيح منها والسقيم، فإن ابن جريج لم يقصد الصحة فيما جمع، وإنما روى ما ذُكِرَ فى كل آية من الصحيح والسقيم، فلم يتميز فى روايته الصحيح من غيره.
    سادسها: طريق الضحاك بن مزاحم الهلالى عن ابن عباس، وهى غير مرضية، لأنه وإن وَثَّقه نفر فطريقه إلى ابن عباس منقطعة، لأنه روى عنه ولم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحَّاك، فضعيفه لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيراً ابن جرير وابن أبى حاتم. وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك فأشد ضعفاً، لأن جويبر شديد الضعف متروك، ولم يُخَرِّج ابن جرير ولا ابن أبى حاتم من هذه الطريق شيئاً، إنما خرَّجها ابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان.
    سابعها: طريق عطية العوفى، عن ابن عباس، وهى غير مرضية، لأن عطية ضعيف. وهذه الطريق قد أخرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم كثيراً.
    ثامنها: طريق مقاتل بن سليمان الأزدى الخراسانى، وهو المفسِّر وقد ضَعَّفوه، وقالوا: إنه يروى عن مجاهد وعن الضحاك ولم يسمع منهما. وقد كذَّبه غير واحد، ولم يُوثِّقه أحد، وقد سُئل وكيع عن تفسير مقاتل فقال: "لا تنظروا فيه، فقال السائل: ما أصنع به؟ قال: ادفنه" - يعنى التفسير وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبنى أن أروى عن مقاتل بن سليمان شيئاً.
    تاسعها: طريق محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وهذه أوهى الطرق. والكلبى مشهور بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشيع كما قال عدى فى الكامل، وقد أجمعوا على ترك حديثه، وأنه لا يُكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع. وممن يروى عن الكلبى، محمد بن مروان السدى الصغير، وقد قالوا فيه: إنه يضع الحديث، وذاهب الحديث متروك، ولهذا قال السيوطى فى الإتقان: "فإن انضم إلى ذلك - أى طريق الكلبى - رواية محمد بن مروان السدى الصغير، فهى سلسلة الكذب"، وقال السيوطى أيضاً فى كتابه الدر المنثور( ): "الكلبى: اتهموه بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه فى مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبى صالح كذب.. ومع ضعف الكلبى فقد روى عنه تفسيره من هومثله أو أشد ضعفاً، وهو محمد بن مروان السدى الصغير" وكثيراً ما يخرج من هذه الطريق الثعلبى والواحدى.
    هذه هى أشهر الطرق عن ابن عباس، صحيحها وسقيمها، وقد عرفت قيمة كل طريق منها، ومَن اعتمد عليها فيما جُمِع من التفسير عن ابن عباس رضى الله عنه.

    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:16 am

    * الرواية عن علىّ ومبلغها من الصحة:
    كثرت الرواية فى التفسير عن علىّ رضى الله عنه، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذى لفت أنظار العلماء النُقَّاد، وجعلهم يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره.
    وما صح عن علىّ فى التفسير قليل بالنسبة لما وُضِع عليه، ويرجع ذلك إلى غُلاة الشيعة، الذين أسرفوا فى حُبِّه فاختلقوا عليه ما هو برئ منه، إما ترويجاً لمذهبهم وتدعيماً له، وإما لظنهم الفاسد أن الإغراق فى نسبة الأقوال العلمية إليه يُعلى من قدره، ويرفع من شأنه العلمى. والحق أن كثرة الوضع على علىّ رضى الله عنه أفسدت الكثير من علمه,
    كما روى مسلم في مقدمة صحيحه بسنده عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ:قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا" وبسنده عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا, وَيُخْفِي عَنِّي, فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ, قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ, وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ ". وبسنده عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ, وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ " وبسنده عن أبي بكربْنَ عَيَّاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "
    . ومن أجْل ذلك لم يعتمد أصحاب الصحيح فيما يروونه عنه إلا على ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلمانى وشُريح، وغيرهما.
    وهذه أهم الطرق عن علىّ فى التفسير:
    أولاً: طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلمانى، عن علىّ
    . طريق صحيحة، يُخَرِّج منها البخارى وغيره.
    ثانياً: طريق ابن أبى الحسين، عن أبى الطفيل، عن علىّ
    . وهذه طريق صحيحة، يُخرِّج منها ابن عيينة فى تفسيره.
    ثالثاً: طريق الزهرى، عن علىّ زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علىّ.
    وهذه طريق صحيحه جداً. حتى عدَّها بعضهم أصح الأسانيد مطلقاً، ولكن لم تشتهر هذه الطريق اشتهار الطريقتين السابقتين نظراً لما ألصقه الضعفاء، والكذَّابون بزين العابدين من الروايات الباطلة.

    وللحديث بقية....
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:17 am

    بسم الله
    السلام عليكم




    ونستطيع أن نُرجِعْ أسباب الضعف فى رواية التفسير المأثور إلى أُمور ثلاثة:

    أولها: كثرة الوضع فى التفسير.
    ويرجع الوضع فى التفسير إلى أسباب متعددة: منها التعصب المذهبى، فإنَّ ما جَدَّ من افتراق الأُمة إلى شيعة تطرَّفوا فى حب علىّ، وخوارج خرجوا عليه وحاربوه ونواصب ناصبوه العداء ، فنسب الشيعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وإلى علىّ وغيره من أهل البيت - رضى الله عنهم - أقوالاً كثيرة من التفسير تشهد لمذهبهم. كما وضع الخوارج والنواصب كثيراً من التفسير الذى يشهد لمذهبهم، ونسبوه إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد أصحابه، وكان قصد كل فريق من نسبة هذه الموضوعات إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد أصحابه الترويج للمروي.
    هذا وقد دخل فى الإسلام مَن تبطن الكفر والتحف الإسلام بقصد الكيد له من الفرس واليهود وغيرهم من الشعوبيين ممن امتلأت قلوبهم حقدًا على الإسلام وأهله بعدما رأوْا زوال دُوَلهم أمام هذا الدين العظيم، وعلموا أنهم لن يستطيعوا القضاء عليه بالقوة , فتظاهروا بالدخول فيه للكيد له وتضليل أهله، وأغلبهم أظهر التشيع والحب لآل البيت حتى يخفي على الناس بواطنهم ولا يفطن لهم أحد ,فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة، ليصلوا بها إلى أغراضهم السيئة، ورغباتهم الخبيثة.

    .
    ثانيها: دخول الإسرائيليات فيه.
    من يتصفح كتب التفسير بالمأثور يلحظ أن غالب ما يرى فيها من إسرائيليات، يكاد يدور على أربعة أشخاص، هم: عبد الله ابن سلام الصحابي الجليل ، وكعب الأحبار ثقة من كبار التابعين كان من اليمن فسكن الشام أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم في خلافة أبي بكر, ووهب بن منبه اليماني الصنعاني ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين أخو همام بن منبه, وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج,وهو رومي الأصل, أحد الأعلام عاصر صغار التابعين , وكان ثقة فقيهًا فاضلاً, إلاّ أنه كان يرسل ويدلس , ولكن إذا وجد شيءٌ فيما ذكروه –أنكره العلماء- فليس من قِبَلهم ولكم بسبب من دونهم في السند أو بسبب الكتب التي أخذوا منها لأننا نعلم أن الكتب السابقة قد وقع فيها التحريف.
    تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى أقسام ثلاثة، وهى :
    القسم الأول: ما يُعلم صحته بأن نُقِل عن النبى صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحاً،
    وذلك كتعيين اسم صاحب موسى عليه السلام بأنه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحاً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عند البخارى أو كان له شاهد من الشرع يؤيده. وهذا القسم صحيح مقبول.
    القسم الثانى: ما يُعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا، أو كان لا يتفق مع العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
    القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثانى، وهذا القسم نتوقف فيه، فلا نؤمن به ولا نُكذِّبه، وتجوز حكايته، لما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا:{ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا } الآية".
    ثالثها: حذف الأسانيد.
    و الحق أن هذا السبب يكاد يكون أخطر الأسباب جميعاً، لأن حذف الأسانيد جعل مَنْ ينظر فى هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها، وجعل كثيراً من المفسِّرين ينقلون عنها ما فيها من الإسرائيليات والقصص المخترع على أنه صحيح كله، مع أن فيها ما يخالف النقل ولا يتفق مع العقل.

    وللحديث بقية...
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:18 am

    هل فسّر الرسول القرآن كله؟

    إن الرسول بيَّن الكثير من معانى القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يُبيِّن كل معانى القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعُذر أحد فى جهالته كما صرّح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير، قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله".
    وبدهى أن رسول الله لم يفسِّر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسِّر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذى لا يُعزر أحد بجهله، لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسِّر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وحقيقة الروح، وغير ذلك من كل ما يجرى مجرى الغيوب التى لم يُطلع الله عليها نبيه، وإنما فسَّر لهم رسول الله بعض المغيبات التى أخفاها الله عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم، وفسَّر لهم أيضاً كثيراً مما يندرج تحت القسم الثالث، وهو ما يعلمه العلماء يرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك من كل ما خفى معناه والتبس المراد به.
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:19 am

    بسم الله



    كان التفسير بالمأثور بعد عصر التابعين وتابعيهم يدون كثيرًا منه رواة الحديث كالبخاري فقد ذكر في صحيحه كتابًا وسماه (كتاب التفسير) وذكر فيه الأحاديث الواردة في تفسير بعض الآيات وكذلك الآثار عن مفسري الصحابة والتابعين وكذا فعل غيره من أصحاب الصحاح والسنن .
    ثم دونت بعد ذلك كتب خاصة بالتفسير بالمأثور, ومن أشهرها:
    1- جامع البيان في تفسير القرآن للإمام ابن جريرالطبري(ت 310)
    2- بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي ( ت 373 هـ)
    3- الكشف والبيان عن تفسير القرآن لأبي اسحاق الثعلبي (ت 427هـ)
    4- تفسير معالم التنزيل لمحيي السنة أبي محمد حسين البغوي (ت 510هـ)
    5- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (ت546هـ)
    6- تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (ت 774هـ )
    7- الجواهر الحسان في تفسير القرآن لعبد الرحمن الثعالبي (ت 876هـ)
    8- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للحافظ جلال الدين السيوطي (ت911هـ)

    وهذه التفاسير- عدا الأخير- لم تقتصر على التفسير بالمأثور بل منها ما ذكرت مع ذلك أوجه القراءات ووجوه الإعراب والمسائل الفقهية واللغوية وغيرذلك ,وإنما أدرجها العلماء في كتب التفسير بالمأثور لأنه الغالب عليها.
    أما السيوطي في الدر المنثور فقد اكتفى بجمع ما يُروى من الأحاديث والآثارعن السلف في التفسير, في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود ومسند أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا وغيرهم ممن تقدمه من المفسرين. فجمع الصحيح وغير الصحيح ,ولم يرجح أو يعقب بشيء.
    وأما تفسير أبي الليث السمرقندي يذكر كثيرًا من أقوال الصحابة والتابعين غير أنه لا يذكر الأسانيد,
    وأما الثعلبي- رحمه الله مع صلاحه وديانته- فهو مولعٌ بالقصص والأخبار, وقد ملأ تفسيره بالغث والسمين, وأكثر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة حتى أنه ذكر كثيرَا من الأحاديث التي وضعها الشيعة كذبًا على علي رضي الله عنه.
    وجاء الإمام البغوي من بعده فاختصر تفسير الثعلبي وهذَّبه, وأضاف عليه فوائد في تفسيره المسمى (معالم التنزيل).
    وتفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي حسن في بابه, وهو أجود من التفاسير السابقة.
    واختصره أبو عبد الرحمن الثعالبي الجزائري, وأضاف إليه بعض الأحاديث والفوائد القليلة من كتب الآخرين في تفسيره المسمى(الجواهر الحسان).
    وأفضل هذه التفاسير على الإطلاق تفسيرا الطبري وابن كثير رحمهما الله تعالى:
    أما ابن جرير الطبري فهو إمام المفسرين من أهل السنة وتفسيره من أجل التفاسير , يذكر الوجه في تفسير الآية ثم يذكر من قال بهذا الوجه من الصحابة والتابعين, ويذكر الأحاديث والآثار الواردة في ذلك بأسانيدها كاملة. ويرجح بين الأقوال, وغالب من جاء بعده نقل منه وانتفع به,
    قال السيوطي: وله التصانيف العظيمة ، منها : " تفسير القرآن " ، وهو أجل التفاسير ، لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء قاطبة ، منهم النووى في تهذيبه ، وذلك لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية ، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده .. إلخ .
    وقال السيوطي في الإتقان : " . . . وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها ، ثم ابن أبى حاتم ، وابن ماجه ، والحاكم ، وابن مردويه ، وأبو الشيخ ابن حبان ، وابن المنذر ، في آخرين ، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم ، وليس فيها غير ذلك ، إلا ابن جرير ؛ فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال ، وترجيح بعضها على بعض ،والإعراب ، والاستنباط ، فهو يفوقها بذلك ".
    ونقل الذهبى وابن كثير وابن حجر قول الخطيب في تاريخه عن الطبري: كان أحد أئمة العلماء ، يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله . وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره : فكان حافظاً لكتاب الله ، عارفاً بالقراءات ، بصيراً بالمعانى ، فقيهاً في أحكام القرآن ، عالماً بالسنن وطرقها ، صحيحها وسقيمها ، ناسخها ومنسوخها ، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم ، وله الكتاب المشهور في " أخبار الأمم وتاريخهم " ، وله كتاب : " التفسير " لم يصنف مثله … إلخ
    وكذلك تفسيرالقرآن العظيم للحافظ ابن كثير من أفضلها وأجودها لتحريه الآراء والأحاديث الصحيحة والتنبيه على الضعيفة ما أمكن, وهو يكثر النقل ممن سبقه كابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما وهو يمتاز بملكة التحري والتدقيق لسعة علمه بالحديث والرجال كما أنه يذكر الأراء الفقهية ومناقشتها باختصار , ويفصل فيما لابد منه.وقال صاحب كتاب التفسير والمفسرون:هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور وقد شهد له بعض العلماء فقال السيوطي في ذيل (تذكرة الحفاظ) والزرقاني في( شرح المواهب): إنه لم يؤلف على نمطه مثله .أهـ
    .وذكر ابن كثير في مقدمة تفسيره أحسن طرق التفسير والتزم بها وسار على نهجها, فقال: فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير ؟ ( فالجواب ) أن أصح الطريق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أُجْمِل في مكان فإنه قد بُسِط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له ، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن . قال الله تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }[النساء:105] وقال تعالى : {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[النحل:64] وقال تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[النحل:44] ولهذا قال رسول الله " ألا إنِّي أوتيت القرآنَ ومثله معه " يعني السنة . والسنة أيضا تنزل عليهم بالوحي كما ينزل القرآن إلا أنها لا تتلى كما يتلي القرآن وقد استدل الامام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك . والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه, فإن لم تجده فمن السُّنة كما قال رسول الله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " فبم تحكم ؟ قال بكتاب الله ، قال فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله ، قال فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي . فضرب رسول الله في صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه.- كذا قال ابن كثير-وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماءهم وكبراءهم كالائمة الأربعة الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهتدين المهديين ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم....ثم ذكر بعد ذلك تفسير التابعين ..ثم التفسير بالرأي المبني على العلم لا الهوى...إلخ( أنظر مقدمة تفسير ابن كثير)
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:21 am

    تعليع ومداخلة


    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وآله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين وبعد:
    فإن أجلَّ علم صرفت فيه الهمم، علم الكتاب المنزل ، إذ هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيـم حميد فيه الهدى والشفاء، والرحمة والبـيان، والموعظة الحسنة والتبيان، فلو أنفقت فيه الأعمار ما أدركت كل غوره، ولو بذلت الجهود كلها مـا أنـضـبــت مـن معينه شيئاً يذكر، ومن هنا اجتمعت كلمة علماء الأمة على العناية بتفسيره، وبيانه ودراسته، واستدرار كـنـــوزه ، والـنهل من معينه العذب النمير، ولأجل انكبابهم على دراسته، تنوعت طرائقهم فـي عـرض علومه، واختلفت مشاريعهم في إيضاح مكنوناته، وكان القدح المعلى لعلم التفسير مـن ذلك كله، ولهم في تناول هذا العلم والكتابة فيه أربعة أساليب:
    أولاً: التفسير التحليلي :
    يتولى فيه المفسرون بيان معنى الألفاظ في الآية، وبلاغة التركيب والنظم، وأسباب النزول، واختلاف المفسرين في الآية، ويذكر حكم الآية وأحكامها، وقد يزيد بتفصيل أقوال العلماء في مسألة فقهية أو نحوية أو بلاغية، ويهتم بذكر الروابط بين الآيـات والمـنـاســبـات بين الـســور ونـحــو ذلك. وهذا اللون من التفسير هو أسبق أنواع التفسير وعليه تعتمد بقيتها، ويتفاوت فيه المـفـسـرون إطناباً وإيجازاً، ويتباينون فيه من حيث المنهج ، فمنهم من يهتم بالفقهيات ، ومنهـم من يهتم بالبلاغيات ، ومنهم من يطنب في القصص وأخبار التاريخ ، ومنهم من يستطرد فـي سرد أقوال السلف ، ومنهم من يعتني بالآيات الكـونـيـة أو الصور الفنية أو المقاطع الوعـظـيـة أو بيان الأدلة العقدية. وبذلك يكون هذا اللون من التفسير هو الغالب على تواليف العلماء وأكثر كتب التفسير على هذا النمط.

    ثانياً: التفسير الإجمالي :
    وهو بيان الآيات القرآنـيــة بالتعرض لمعانيها إجمالاً مع بيان غريب الألفاظ والـربــط بين المعاني في الآيات متوخياً فـي عرضها وضعها في إطار من العبارات التي يصوغها مـن لفظه ليسهل فهمها وتتضح مقاصدها، وقد يضيف ما تدعو الضرورة إليه من سبب نزول أو قصة أو حديث ونحو ذلك.
    وهذا اللون أشبه ما يكون بالترجمة المعنوية للقرآن الكريم،وهو الذي يستخدمه من يتحدث بالإذاعة والتلفاز لصلاحيته لعامة الناس ومن أمثلته (تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي ).

    ثالثاً: التفسير المقارن :
    وهـــو بـيــــان الآيات القرآنية باستعراض ما كتبه المفسرون في الآية أو مجموعة الآيات المترابطة، والموازنة بين آرائهم ، وعرض استدلالاتهم ، والكرّ على القول المرجوح بالنقض وبيان وجهه ، وتوجيه أدلته ، وبيان الراجح وحشد الأدلة وغير ذلك.

    رابعاً: التفسير الموضوعي :

    وهذا اللون من التفسير هو مجال بحثنا، ومدار حديثنا، ولأجله كتبت هذه الخلاصة:
    أولاً: تعريفه :
    يتألف مصطلح (التفسير الموضوعي ) من جزأين ركبا تركيباً وصفياً فنعرف الجزأين ابتداء ثم نعرف المصطلح المركب منهما.
    فالتفسير لغةً : من الفسر وهو كشف البيان ، قال الراغب : "هو إظهار المعنى المعقول ".
    واصطلاحاً: الكشف عن معاني القرآن الكريم..
    والموضوع لغةً: مــن الـوضـع ؛ وهو جعل الشيء في مكان ما، سواء أكان ذلك بمعنى الحط والخفض ، أو بمعنى الإلقاء والتثبيت في المكان ، تقول العرب : ناقة واضعة : إذا رعت الحمض حول الماء ولم تبرح ، وهذا المعنى ملحوظ في التفسير الموضوعي ، لأن المفسر يرتبط بمعنى معين لا يتجاوزه إلى غيره حتى يفرغ من تفسير الموضوع الذي أراده.
    أما تعريف (التفسير الموضوعي ) علماً على فن معين ، فقد عرِّف عدة تعريفات نختار منها ما نظنه أجمعها وأخـصـــرهـا وهو: علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر..

    ثانياً: نشأة التفسير الموضوعي :
    لم يظهر هذا المصطلح عَلَمَاً على علم معين إلا في القرن الرابع عشر الهجري ، عندما قُرِّرت هذه المادة ضمن مواد قسم التـفـسـير بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر، إلا أن لبنات هذا اللون من التفسير كانت موجودة مـنــذ عهد النبوة وما بعده ، ويمكن إجمال مظاهر وجود هذا التفسير في الأمور التالية :
    1-
    تفسير القرآن بالقرآن : لا ريب أن تفـسـيـر الـقـرآن بالقرآن هو لب التفسير الموضوعي وأعلى ثمراته. وجميع الآيات التي تناولت قضية واحــدة والجمع بين دلالاتها والتنسيق بينها كان أبرز ألوان التفسير التي كان النبي -صلى الله عـلـيــــه وسلم- يربي أصحابه عليها، فقد روى البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسر مفاتح الغيب في قوله تـعـالـى: ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ))[الأنعام 59] ، فـقــــال : مفاتح الغيب خـمـســة: ((إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [لقمان 34].
    ومن هذا القـبـيل ما كان يلجأ إليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الجـمـع بين الآيات الـقـرآنية التي يُظنُّ بينها تعارضٌ. وقد وضع العلماء بعده قاعدة في أصول التـفـسير تقتضي بأن أول مــا يرجع إليه المفسر القرآن الكريم ، إذ ما أجمل في مكان قد فصل في آخر، وما أطــلـق فـي آيــة إلا قد قيد في أخرى، وما ورد عاماً في سورة، جاء ما يخصصه فـي سورة أخــرى، وهــذا اللون من التفسير هو أعلى مراتب التفسير وأصدقها إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله.
    2-
    آيات الأحكام : قام الفقهاء بجمع آيات كل باب من أبواب الفقه على حدة، وأخذوا في دراستها واستنباط الأحكام منها، والجمع بين ما يظهر التعارض ، وذكروا ما نص عليه ومـــــا استنبط من القرآن بطريق الإشارة والدلالة الخفية، ونحو ذلك ، وكله داخل تحت مسمى التفسير الموضوعي.
    3-
    الأشـبــاه والنظائر: وهو اتجاه نحاه بعض العلماء في تتبع اللفظة القرآنية، ومـحـاولة مـعـرفة دلالاتـهـــا المختلفة، مثال ذلك : كلمة (خير) وردت في القرآن على ثمانية أوجه حـسـبـما ذكره الدامغاني في كتابه (إصلاح الوجوه والنظائر) ، وهي : المال : كقوله ((إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْراً))[البقرة 180] ، والإيمان كقوله : ((ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ))[الأنفال 23] ، والإسلام كقوله : ((مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ))[القلم 2] ، وبمعنى أفضل كقوله : ((وأَنتَ خَـيْــرُ الرَّاحِمِينَ))[المؤمنون 109]، والعافية كقوله : ((وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُـــــوَ وإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))[الأنعام 17]، والأجر كقوله : ((لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ))[الحج 36]، والطعام كقوله : ((فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ))[ القصص 24]،، وبمعنى الظفر والغنيمة والطعن في القتال كقوله : ((ورَدَّ اللَّهُ الَذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً))[الأحزاب 25]
    وهذا كما ترى لون من التفسير الموضوعي ، وهو أول وسيلة يلجأ إليها الباحثون في البحث عن مـوضـــوعات القرآن حيث يجمعون ألفاظ ذلك الموضوع من سور القرآن ثم يتعرفون على دلالة اللفظ في أماكن وروده.
    4-
    الدراسات في علوم القرآن: اهـتــم العلماء بموضوعات علوم القرآن فأشبعوها، ومن بين هذه الموضوعات والدراسات،لون ينصبُّ على دراسة وجمع الآيات التي لها رابطة واحدة، كآيات النسخ والقسم والمشكل والجـــدل والأمثال وغير ذلك ، ومؤلفاتهم في ذلك يعز على الباحث حصرها وهي أشهر من أن تذكر.
    كل هذه الأمور والحقائق تدلنا على أن التفـسـيـر الموضوعي ليس بدعاً من العلوم أفرزته عقول المتأخرين ، وغفلت عن الاهتمام به أفـهـام الأولين. لكن بروزه لوناً من التفسير له كيانه وطريقته لم يوجد إلا في العُصُر الأخيرة - تلبية لحاجات أهلها - التى وجد فيها من المذاهب والأفكار كما وجد فيها من الآراء والمــوضـوعـات ما اضطر علماء الشريعة إلى بحثها من وجهة النظر القرآنية ليقينهم بأنه الكتاب الـــــذي يحوي دراسة وعلاج كل موضوع يطرأ في حياة الناس ، علمه من علمه ، وجهله من جهله ، ((أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ))[الملك 14] .
    ومن ثم كثرت الدراسات القرآنية، وأصبحت المكتبة القرآنية تستقبل كل يوم مواداً جديدة من عالم المطبوعات ، ونظرة خاطفة إلى فهارس المكتبة تنبيك بكثرة ما كتب في هذا المجال ، وإن كان في الحقيقة قليلاً على مادة القرآن. ولشدة عناية الكاتبين بهذا الفن من التفسير قام جمع من الباحثين بخدمة هذا اللون من التفسير بوضع فـهـرســـة للقرآن على حسب الموضوعات منها ما هو في عداد المخطوطات ، ومنها ما طبع ككتاب المستشرق "جون لابوم " والذي عنوانه (تفصيل آيات القرآن الكريم )، وقد ترجمه إلى الـعـربـيـة محمد فؤاد عبد الباقي وترجم المستدرك الذي وضعه (إدوار مونتيه ) وخرجا في كتاب واحــد، وهو خطوة أولى في طريق طويل لا بد وأن تجد مستدركاً ومعقباً كعادة ما يكتب أولاً.

    ثالثاً: ألوان التفسير الموضوعي :

    الأول :
    أن يتتبع الباحث لفظة من كلمات القرآن الكريم ، ثم يـجـمــع الآيات التي ترد فيها اللفظة أو مشتقاتها من مادتها اللغوية. وبعد جمع الآيات والإحاطة بتفسيرها يحاول استنباط دلالات الكلمة من خلال استعمال القرآن الكريم لها. وقد أصبح كثير من الكلمات الـقـرآنية مصطلحات قرآنية كـ(الأمة، والجهاد، والذين في قلوبهم مرض، والخلافة.. )، وهذا اللون كما ترى قد اهتمت به كتب الأشباه والنظائر إلا أنها بقيت في دائرة الكلمة في موضوعها، ولكن يحاول مؤلفوها أن يربطوا بينها في مختلف السور، ممـا أبـقـى تفسيرهم للكلمة في دائرة الدلالة اللفظية..
    أما المعاصرون فقد تتبعوا الكلمة وحاولوا الربط بين دلالاتها في مختلف المواطن ، وأظهروا بذلك لوناً من البلاغة والإعـجـــاز القرآني ، وقد كان من نتائجها استنباط دلالات قرآنية بالغة الدقة، لم يكن بمـقـدورهم العثور عليها لولا انتهاجهم هذا السبيل ، ومـمــن اعتنى بهذا اللون من المـعـاصرين الدكتور أحـمد حسن فرحات في سلسلة سماها (بحث قـــرآنــي وضرب من التفسير الموضوعي ) أصــدر منها كتاب (الذين في قلوبهم مرض) ، و(فطرة الله التي فطر الناس عليها)، و(الأمة في دلالاتها العربية والقرآنية) وغيرها..
    الثاني :
    تحديد موضوع ما ، يلحظ الباحث تعرض القرآن المجيد له بأساليب متنوعة في الـعــــرض والتحليل والمناقشة والتعليق ، أو تطرأ مشكلة أو تطرح قضية فيراد بحثها من وجهة نظر قرآنية وهنا نشير إلى عجيبة من عجائب القرآن الكريم المعجزة، تدلنا على أن القرآن دستور حياة، ومنهج عمل ، فيه الشمول والعموم والكمال والبيان.
    خلاصتها:
    أنه ليس بمستغرب أن يجد باحث اهتمام القرآن صريحاً بموضوع معين فيرى جوانب مـعـالجـــة الموضوع ودراسته في القرآن كافية وافية، ولكن الغريب حقاً أن تقترح موضوعاً فتلج إلى عـالــم القرآن كأنما أنزل فيه فيدهشك أن الموضوع قد استوفيت جوانب دراسته في القرآن كأنما أنزل القرآن من أجله.
    وطريقة الكتابة في هذا اللون تتم باستخراج الآيات التي تناولت الموضوع ، وبعد جمعها والإحاطة بها تفسيراً وتـأمــلاً يحاول الباحث استنباط عناصر الموضوع من خلال ما بين يديه من آيات ، ثم ينسق بــيـن تلــك العناصر بحيث يقسمها إلى أبواب وفصول حسب حاجة الموضوع ويقدم لذلك بمقدمة حول أسلوب القرآن في عرض أفكار الموضوع.
    ويكون منطلق العرض والاستدلال والــدراسة هو آيات القرآن الكريم لا غير، مع ربط كل ذلك بواقع الناس ومشكلاتهم ، وإن ذكر شيء من غير القرآن في الموضوع فيذكر من باب الاعتضاد لا الاعتماد.
    وعلى الـبـاحـث أن يتجنب خلال بحـثـه التعرض للأمور الجزئية في تفسير الآيات ، فلا يـذكـــر القراءات، ووجوه الإعراب ونـحـــــو ذلك إلا بمقدار ما يخدم الموضوع ويتصل به اتـصـالاً أسـاسياً مباشراً. والباحث في كل ذلك يهتم بأسلوب العرض لتوضيح مرامي القرآن وأهدافه ومـقـاصـده ، ليتمكن القارئ من فهم الـمـــوضـوع وإدراك أسراره من خلال القرآن بجاذبية العرض الشائق وجودة السبك والحبك ورصانة الأسلوب ودقة التعبيرات ، وبيان الإشارات بأوضح الـعـبارات. وهذا اللون من التفسير الـمـوضوعي هو المشهور في عرف أهل الاختصاص ، وحتى أن اسم (التفسير الموضوعي ) لا يكاد ينصرف إلا إليه ، والمتتبع لهذا يجده جلياً، وسبب ذلك يتلخص في أمرين :
    ا - غزارة الموضوعات التي طرقها القرآن وأشبعها دراسة وبحثاً.
    2- تجــدد الموضوعـــات والمشكلات التي تحتاج إلى بحث من وجهة نظر قرآنية فالأولون صدروا مــن القرآن ، والآخـــرون وردوا إلى القرآن. وكلاهما بحر و لا ساحل له ، لا تكاد تنتهي موضوعاته أو تقـف عند حد.
    3- البحـــث عن موضوع من خـــلال سورة من القرآن بتحديد الهدف الأساسي للسورة أو غيره من الأهداف ودراسته من خــلال تلك السورة. وهذا اللون شبيه بسابقه إلا أن دائرته أضيق.
    وطريقة البحث فيه :
    أن يحدد الـبـاحث الهدف أو الأهداف الأساسية للسورة ثم يختاره أو يختار إحداها إن كانت ثمة أهداف مـتـعددة ثم يحاول إبراز عناصر بحث هذه السورة للموضوع وتـقـسـيـمـهـا وتبويبها، ثم يدرس عـــلاقة كل المقاطع بهذا الهدف بدءاً بمقدمة السورة، وانتهاءً بخاتمتها، مع التعرف على أسـباب نزولها، ومكان نزولها، وترتيبها من بـيـن ســـور القرآن ويبين علاقة كل ذلك بهدف السورة عنوان البحث ، وسيجد الباحث الصلة بـيــنــه وبين الرابطة جلية عند إحالة النظر وإمعان الفكر، وسيعلم أن للسورة هدفاً واضــحــــاً ترمي إلى إيضاحه وبيانه والاستدلال له وبه ، وتفصيل جوانبه وأبعاده ، وكل ســــورة من القرآن لها شخصية مستقلة تعلم عند البحث فيها، بل ويمكن أن يكون للسورة أهــداف متعددة بينها من الترابط والتعاضد والتداخل شيء يصعب معه التفريق بينهما أو إفراد إحداهما بالبحث مع إغفال البواقي.
    وليعلم أنه ينبغي عند البحث في هذا اللون ألا ينطلق الباحث في دراسة موضوع السورة من آيــات لم ترد فيها، بل يـكـــون مـنطـلقه آيات ومباحث ومقاطع السورة وأما غيرها فتذكر استئناساً لا تأسيساً، وتوكيداً لا تأصيلاً، واستشهاداً لا استناداً.
    وهذا اللــون ظفر بعناية القدماء بل جــــاءت في ثنايا تفاسيرهم الإشارات إلى بعض أهداف السورة ومحاولة الانطلاق منها لبيان تفسيرها، كالذي فعله البقاعي في كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور). وأما في العصر الحديث فقد أولع به سيد قطب في تفسيره (الظلال) حيث يقدم لكل سورة ببيان أهدافها الرئـيـسـية أو هدفها الوحيد، وينطلق في باقي تفسير السورة من خلال هذا المحور الذي تتحدث السورة عنه، وقد أفردت بحوث كثيرة في هذا اللون من التفسير الموضوعي منها سلسلة (من مواضيع ســــور القرآن ) التي يكتبها الشيخ (عبد الحميد طهماز) وقد صدر منها (العواصم من الفتن في سورة الكهف ).

    رابعاً: أهمية التفسير الموضوعي :
    ويمكن تلخيص أجدر جوانبها في الأمور التالية:
    الأول :
    إبراز وجوه جديدة من إعجاز القرآن الكريم ، فـكـلـمـا جَدّت على الساحة أفكار جديدة - من مُعطيات التقدم الفكري والحضاري - وجدها المفسر جلية في آيات القرآن لا لبس فيها ولا غموض بعد تتبع مواطن ذكرها في القرآن، فيسجل عندها سبق القرآن إليها، ويدلل بذلك على كونه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه ودلائل إعجازه.
    الثاني :
    التأكيد على أهمية تفسير القرآن بالقرآن ، الذي هو أعلى وأجل أنواع التفسير، إذ قد يوجد من لا يلجأ إلى القرآن عند إرادة إيضاحه وتفسيره لقصور فيه أو تقصير منه ، وبالتفسير الموضوعي ندرك أهمية هذا اللون من التفسير فتزداد عنايتنا به، وتـتـعـاضـــد جهودنا لبيانه ، فَنُكفى بذلك الوقوف عند كثير من مشكل القرآن أو مواطن الخلاف بين علماء الأمة في تفسير آياته ، لورود ما يوضح المراد ويشفي العليل ويروي الغليل بالقرآن نفسه.
    الثالث :
    إن تجدد حاجة البشرية، وبروز أفكار جديدة على الساحة الإنسانية وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة لا يمكن تغطيتها ولا رؤية الحلول لها إلا باللجوء إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم. إذ عندما نجابه بنظرة جديدة أو علم مستحدث فإننا لا نقدر على تحديد الموقف من هذا العلم وتلك النظرية وحل المشكلة القائمة، وبيان بطلان مذهب إلا عن طريق تتبع آيات القرآن ، ومحاولة استنباط ما يجب نحو كل أولئك.
    إن جمع أطراف موضوع ما من خلال نصوص القرآن والسنة يمكن الباحث من القيام بدور اجـتهــادي للتوصل إلى تنظير أصول لهذا الموضوع ، وعلى ضوء هدايات القرآن ومقاصده نستطيع معالجة أي موضوع يَجدّ على الساحة.
    الرابع: إثــراء الـمعلومات حول قضية معينة. غالباً ما يُطرح موضوع أو قضية أو فكرة أو مشكلة للبحث ويبقى أيُّ من ذلك محتاجاً إلى إشباع البحث ومزيد الدراسة، ويتم تحقيق ذلك من خلال التـفـسـيـــر الـمـوضـوعـي بحيث تتبين لذوي الشأن أدلة جديدة، ورؤى مستفيضة، وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة.

    الخامس : تأصيل الدراسات أو تصحيح مسارها :
    لقد نالت بعض علوم القرآن حظاً وافــــــراً من البحث والدراسة، إلا أن هناك علوماً أخر برزت جديدة تحتاج إلى تأصيل بضبط مسارها حتى يؤمن عثارها مثل (الإعجاز العلمي في القرآن )، فـقـد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة ماسة إلى ضبط قواعده لِيُتَجَنَب الإفراط فـيـــه أو التفريط ، وهذا إنما يتم عبر دراســـــة موضوعية لآيات القرآن وهداياته في هـذا المجال.
    وهناك علوم ودراسات قائمة منذ القدم لكن الـمـســــار الذي تنتهجه يحتاج إلى تصـحـيح وتعديل ، وإعادة تقويم كعلم التاريخ الذي أخذ منهجاً في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون والمجتمع ، علماً بأن هذه السنن قد أبرزتها آيات القرآن خلال قصصه بشكل واضح ، وهناك انحرافات مبثوثة في كتب التاريخ تخالف ما نص عـلـيـه في القرآن الكريم ، ولن يتم تعديلها وتقويم مثل هذه العلوم إلا بطريق استقصاء منهج القرآن في عرضها ودراستها..

    مراجع هذه النبدة :

    ا- مباحث في التفسير الموضوعي للدكتور مصطفى مسلم.
    2- دراسات في التفسير الموضوعي للدكتور زاهر عواض الألمعي.
    3- الفتوحات الربانية في التفسير الموضوعي للآيات.
    4- دراسات في القرآن الكريم للدكتور محمد عبد السلام محمد.
    5- دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني للدكتور أحمد جمال العمري.
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:22 am

    ثانيًا: التفسير بالدراية( أو التفسير بالرأي):


    يُطلق الرأى على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه: أصحاب الرأى: أى أصحاب القياس.

    والمراد بالرأى هنا "الاجتهاد" وعليه فالتفسير بالرأى، عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم فى القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالاتها، واستعانته فى ذلك بالشعر الجاهلى , ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن, وعلم القراءات, وعلم أصول الدين،وعلم أصول الفقه, وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسِّر .
    فالتفسير بالرأى قسمان:

    1- قسم جارٍ على موافقة كلام العرب، ومناحيهم فى القول، مع موافقة الكتاب والسُنَّة، ومراعاة سائر شروط التفسير، وهذا القسم جائز لا شك فيه، وعليه يُحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأى.
    2-وقسم غير جارٍ على قوانين العربية، ولا موافق للأدلة الشرعية، ولا مستوف لشرائط التفسير،
    وهذا هو المذموم المنهي عنه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد الترمذي وحسنه وابن جرير -واللفظ له- عن ابن عباس عن النبي قال:" من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار" وهو الذى يرمى إليه كلام ابن مسعود إذ يقول: " ستجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع ، وإياكم والتنطع ".
    وكلام عمر إذ يقول: "إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس المُلْك على أخيه"، وكلامه إذ يقول: "ما أخاف على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بَيِّن فسقه، ولكنى أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوَّله على غير تأويله". وما تفرقت الأمة وخرجت الخوارج وغلاة الشيعة إلا بسبب تأويل القرآن على غير وجهه. فكل هذا الذم وارد فى حق مَن لا يُراعى فى تفسير القرآن قوانين اللغة ولا أدلة الشريعة، جاعلاً هواه رائده، ومذهبه قائده، وهذا هو الذي يُحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأى، وقد قال ابن كثير - بعد أن ساق الآثار عَمَّن تحرَّج من السَلَف من القول فى التفسير - : فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السَلَف، محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما مَن تكلَّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حَرَج عليه، ولهذا رُوِى عن هؤلاء وغيرهم أقوال فى التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلِّموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، هذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سُئِل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}
    [آل عمران: 187] .. ولما جاء فى الحديث الذي روي من طرق: "مَنْ سُئِلَ عن علم فكتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار"(رواه أبو داود وغيره ).
    وبذلك قد علمنا أن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير جائز، وقسم ممدوح جائز، وتبين لنا أن القسم الجائز محدود بحدود، ومقيَّد بقيود.
    ومن أشهر الكتب في التفسير بالرأي: تفسير فخر الدين الرازي المسمى (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير),وقد ملأه بعلم الكلام مما أنزل من رتبته ,ومع ذلك قد تجد فيه بحوثًا قيمة لا تجدها عند سواه.
    وتفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) وهو ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل وسط في التأويلات يذكر وجوه الإعراب والقراءات,يتضمن دقائق علم البديع والإشارات. وتفسير النيسابوري(غرائب القرآن ورغائب الفرقان) وهو مختصر وتهذيب لتفسير الرازي, وتفسير أبي السعود(إرشاد العقل السليم)وهو تفسير دقيق يحتاج لفهمه الخاصة من أهل العلم. وتفسير أبي حيان( البحر المحيط) يجمع فنون العلوم من نحو وصرف وبلاغة وأحكام فقهية وتفسير الزجاج والجلالين, وغير ذلك كثير.


    وللحديث بقية إن شاء الله تعالى...
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:22 am

    قال السيوطي في الإتقان:

    ثم صنَّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفنِّ الذي يغلب عليه:

    فالنحويّ: تراه ليس له همٌّ إلا الإِعراب وتكثير الأَوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافيّاته؛ كالزَّجَّاج والواحدي في [البَسيط] وأَبي حيّان في [البحر] و [النهر]‏.
    والأَخباري: ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها، والإِخبار عَمَّن سلف، سواء كانت صحيحة أَو باطلة، كالثعلبيّ‏.
    والفقيه: يكادُ يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أُمّهات الأَولاد، وربما استطرد إلى إقامة أَدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية، والجواب عن أَدلة المخالفين، كالقرطبي‏.
    وصاحبُ العلوم العقلية - خصوصاً الإِمام فخر الدين - قد ملأَ تفسيره بأَقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها، وخرج من شيء إلى شيء؛ حتى يقضيَ الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية. قال أَبو حيان في [البحر]‏:‏ جمَع الإِمام الرازيّ في تفسيره أَشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير؛ ولذلك قال بعض العلماء‏:‏ فيه كلّ شيء إلاَّ التفسير‏.
    والمبتدع: ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد؛ بحيث إنه متى لاحَ له شاردة من بعيد اقتنصَها، أَو وجد موضعاً له فيه أَدنى مجال سارع إليه‏.‏

    قال البُلقينّي‏:‏ استخرجْتُ من (الكشاف) ([1]) اعتزالاً بالمناقيش، من قوله تعالى في تفسير:{ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]. وأَيّ فوز أَعظَم من دخول الجنة! أَشار به إلى عدم الرؤية ([2]) ‏.‏
    والملحد، فلا تسأَل عن كفره وإلحاده في آيات الله، وافترائه على الله ما لم يقله، كقول بعضهم في: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} [الأعراف : 155]: ما على العباد أَضرّ من ربهم.أهـ ([3])



    وكثير من التفاسير جمع بين الرواية والدراية, نذكر على سبيل المثال:

    * تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) وهو كتاب جليل القدر يذكر في تفسير الآية العديد من المسائل ولكن يغلب عليه الطابع الفقهي و يتوسع كثيرًا في المسائل الفقهية, ويذكر كثيرًا من الآحاديث الصحيحة والضعيفة,ولا يبين ضعفها.

    * وتفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وهو كتاب دقيق يجمع بين الرواية والدراية ويختم كل سورة بما ورد في فضلها من الآحاديث غير أنه لم يتحر الصحيح منها.

    * وتفسير الشوكاني (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير) وهو يبدأ في تفسير المجموعة من الآيات بالدراية ثم بعد ذلك يذكر ما ورد فيها من الروايات ويعتمد غالبًا فيها على الدر المنثور للسيوطي, وقد عده صاحب كتاب (التفسير والمفسرون) من تفاسير الزيدية ولم يصب في ذلك, فالشوكاني كان زيديًا في بدايته وبعد أن تبحر في علوم الشريعة وبزغ نجمه ذم التقليد, وتفسيره يتجلى فيه الحرب على التقليد والمقلدة كلما سنحت له الفرصة بذلك, وأصبح ينصر مذهب أهل السنة ويسير مع الدليل حبث سار.ومصنفاته شاهدة بذلك .

    * وأيضًا غالب التفاسير الحديثة تجمع بين التفسير بالروابة والتفسير بالرأي مع تبسيط المعنى وسهولة العبارة وحذف أسانيد الرواية وغالبها مستفاد من تفاسير الطبري والقرطبي وابن كثير رحمهم الله تعالى.

    وللحديث بقية...


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1]- يعني: تفسير الكشاف للزمخشري المعتزلي وقد ملأه بأصول المعتزلة.

    [2]- يعني:عدم رؤيةالمؤمنين لله تعالى يوم القيامة ..وقد ثبت بالأحاديث المتواترة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وهو معنى قوله تعالى:[وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ربها ناظرة], وهذه عقيدة الصحابة والتابعين وسائر سلف الأمة. خلافًا لأهل البدع الذين ينكرون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.

    [3]- الإتقان (4/ 212-2132)
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:24 am

    مداخلة أخري


    ببحث الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي يتبين أن الإعجاز العلمي نوع أو صورة من صور التفسير العلمي، فكل إعجاز تفسير علمي، وليس كل تفسير علمي إعجازا.
    ولم ينحصر الفرق بين الإعجاز والتفسير في التعريفات، بل نلحظ تفاوتا في طريقة التقسيم، وتبني نوع دون آخر من قِبَل رواد التفسير العلمي.
    والهدف من البحث الإشارة إلى أمرين:
    أولهما: الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي، وبالتالي تنبيه الوالجين لهذا النوع من التفسير -وخاصة غير المختصين بالعلوم الشرعية- إلى أنه ليس كل ما يسمونه بالإعجاز العلمي هو كذلك؛ إذ كثيرا ما يكون نوعا آخر من أنواع التفسير العلمي على أقل تقدير، وهو ما سيتضح أكثر لاحقا عند عرض بعض النماذج التطبيقية.
    أما ثانيهما: أنه لا يقتضي رد الإعجاز العلمي رد الأنواع الأخرى للتفسير العلمي.
    فالغرض المحوري هو محاولة الإجابة عن مدى إمكانية إثبات السبق العلمي للقرآن الكريم بذكره للمكتشفات العلمية دون تحميل آيات القرآن الكريم ما لا تحتمل.
    والقول بهذه الأسبقية لم يخل من اعتراضات معرفية، أهمها يرجع إلى أمرين:
    الأول: يرجع إلى القرآن الكريم وطريقة فهمه؛ فقد ارتبطت بالقرآن أمور أصبحت من المسلمات، والقول بالإعجاز العلمي هو خطر عليها، فمن أهمها مسألة التحدي القرآني للعرب، إذ كيف يتحدى القرآن العرب بأمور لا علم لهم بها؟ ينتج عن ذلك -ضرورة- ربطُ فهم القرآن بفهم العرب زمن نزول الوحي حتى نفهم الألفاظ فهما صحيحا، ونكون في الوقت نفسه قد راعينا بلاغة القرآن التي تقتضي موافقتها لمقتضى حالهم، بهذا لا نتكلف في فهم ألفاظ القرآن، ولا نحملها ما لا تحتمل.
    أما الأمر الثاني: فهو متعلق بالعلم وموضوعه؛ فموضوع العلم مختلف عن موضوع القرآن الكريم، وحقائقه مختلفة عن حقائق القرآن؛ فالأولى نسبية والثانية مطلقة، فكيف نحكم ما هو مطلق إلى ما هو نسبي؟ وكيف نجعل القرآن الهادي بنفسه مهديا بغيره؟ إضافة إلى التغير والتبدل الذي يطرأ على العلوم، لهذا فإن تفسير القرآن بها يجعله متغيرا متقلبا معها.
    يبرز جوهر الخلاف بين المؤيدين للتفسير العلمي وبين المعارضين له في أن المعارضين ربطوا فهم آيات القرآن وألفاظه بفهم معاصري نزول القرآن، بينما رأى المؤيدون وجوب الاستقلال في فهم القرآن وعدم الافتتان بالروايات، فالله -عز وجل- يقول: {أَفَلَا يَتَدَبرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] وكان جمال الدين الأفغاني يقول: "إن القرآن لا يزال بِكْرا".
    ومن خلال معالجة العديد من التطبيقات والأمثلة يرى الباحث أن بعض التفاسير العلمية عكست الأهداف التي يريد المفسر العلمي تحقيقها، من إظهارٍ للصلة بين العلم والقرآن، وأن آيات القرآن دالة على ما يقول به العلم، فكان كل ذلك على حساب النص؛ حيث طغت المادة العلمية التي يريد المفسر أن يربطها بالنص القرآني على تفسيره، فلم يلتفت إلى موضوع الآية ولا إلى سياقها ولا إلى دلالات ألفاظها...، وإنما كان همه أن يجعلها دالة على ما يقول به العلم، هذا الذي أدى إلى تفسيرٍ للظواهر الكونية وليس إلى تفسير آيات القرآن الكريم.
    فمثلا تصور دور الجبال في تثبيت الأرض كان موجودا في العصور السابقة، ويظهر ذلك في بعض الروايات الواردة عن علي وغيره، ولكن الذي اختلف في العصر الحديث هو أن هناك تفسيرا علميا لهذه الظاهرة، بينما كانت تعليلاتهم في العصور السابقة مرتبطة بأمور غيبية. ومثل هذا لا يمكن القول فيه بأسبقية أو إعجاز قرآني.
    والباحث يخلص إلى أن ما سماه المفسر العلمي سبقا للقرآن الكريم في ذكر العلوم الحديثة -عدا ما هو متكلف به- يرجع إلى أمرين هما:
    الأول: وصف المفسر الظاهرة التي ذكرها القرآن الكريم على ضوء ما كشف عنه العلم الحديث، والذي ساعده على ذلك دقة الوصف القرآني لهذه الظاهرة التي كانت معروفة في عصر النزول، بالإضافة إلى عدم ذكر القرآن للتعليلات التي كانت سائدة في ذلك العصر.
    الثاني: يرجع هذا السبق إلى احتمال اللفظ لإحدى الدلالات التي اختارها المفسر لتوافق ما يقول به العلم، ولكن هذه الدلالة رغم احتمالية اللفظ لها فإن السؤال المطروح هو: هل هذه الدلالة التي اختيرت كانت مستخدمة في عصر نزول القرآن أم أنها اصطلاح حادث؟ هذا بالإضافة إلى أن ما يسميه المفسر العلمي سبقا قرآنيا لا يعد سبقا بالنسبة لنا؛ لأن هذه الدلالة لم تفهم إلا بعد كشف العلم لها، ولا يصح أن يقال: إنها سبق قرآني لأهل عصر نزول الوحي لأنهم ما كانوا يفهمون منه هذه العلوم، فالسؤال هو: هذا السبق بالنسبة لمن؟.
    يظهر واضحا من خلال الأمثلة التطبيقية أن اعتماد المفسر العلمي على التفسير بالقرآن الكريم لم يكن مفصولا عن أفقه المعرفي وثقافته العلمية؛ بل كان ذلك دافعا إلى أن يبحث في الآيات القرآنية عن إجابات لتساؤلات أثارها العلم. فالعلم هو المنطلق وهو الأساس بالنسبة له، والقرآن هو القابل للتشكل حسب نتائج العلم لديه، ولكن هذا ليس مطلقا، فهناك تفاسير كان منطلق المفسر فيها من النص وثقافة العصر.
    والمفسر العلمي استند في تفسيره على عدة ركائز أساسية أسهمت في وجود هذا النوع من التفسير، يمكن حصرها في ثلاثة أمور هي: استشهاد القرآن بأمور واقعية خاضعة للحس، وطبيعة اللغة، وثقافة العصر.
    إن المتأمل في أدوات المفسر العلمي المستدل بها يجد أن أهمها يرتكز على طبيعة اللغة، واكتفى الباحث هنا ببيان دور دلالات الألفاظ التي تتفرع إلى دلالات مختلفة بحسب الزاوية التي ينظر منها. فللفظ في اللغة العربية دلالات متنوعة تبدأ بالدلالة الوضعية، مرورا بدلالة منطوقه ودرجة شموله إلى مجازه.
    لقد وجد المفسر العلمي في دلالات الألفاظ مجالا رحبا لتفسيره العلمي، فدلالة اللفظ على الشمول -سواء المطلق منه أو العام- سمح له بأن يجعل ما يكشف عنه العلم الحديث داخلا في هذا الشمول؛ بل إن دلالة اللفظ على العموم أو الإطلاق هي الدالة على ما كشف عنه العلم الحديث، وقل مثل ذلك في دلالة المنطوق بما فيها من دلالة الالتزام أو المطابقة أو التضمين أو الإشارة وأيضا المجاز.
    إن اللفظ الذي كان يدل على أشياء معينة في الماضي كشف العلم الحديث عن حقائق هذه الأشياء فصار اللفظ يحمل ذيولا من المعاني تدل على هذه الحقائق المكتشفة، ولعل هذا يرجع إلى أن "الكون تنتظمه شبكة من الظواهر، وأن علاقة الإنسان بتلك الظواهر تنبني على التبصر ثم الإدراك، ومن هذه العلاقة ينشأ مبدأ الدلالة" التي تصنف في الكون إلى:
    الدلالة الطبيعية التي يستدل فيها العقل بحقيقة ظاهرة على حقيقة غائبة بسبب أن العلاقة بينهما هي علاقة السبب الطبيعي بنتيجته.
    والدلالة المنطقية هي التي يتحول فيها الفكر بواسطة المسالك العقلية من الحقائق الحاضرة إلى حقيقة غائبة.
    أما الصنف الثالث من هذه الدلالات فهو الدلالة العرفية التي تنشأ باصطلاح الإنسان "إما بإعمال الروية أو باتفاق السلوك".
    فالمفسر العلمي في تعامله مع النص القرآني:
    - إما أن يكون منطلقا من النص محاولا جذبه إلى علوم العصر، وهو في هذا حريص على الاستدلال به، وعلى أن يكون المعنى الجديد منسجما مع السياق والسباق، وتميز بذلك المفسرون المختصون بالعلوم الشرعية.
    - وإما أن يكون منطلقا من ثقافة العصر محاولا إسقاطها على النص القرآني، وهو في استدلاله غير متكامل، فإن استدل باللفظ لم ينظر إلى السياق... هذه الطريقة ظهرت في الغالب عند غير المختصين بالعلوم الشرعية كالأطباء وعلماء الجيولوجيا وغيرهم، وجل هذه التفاسير يمكن اعتبارها انطباعات شخصية أكثر من كونها تفسيرا.
    وختاما: إن القول بالسبق القرآني في ذكر العلوم قبل اكتشافها حسب ما قدمه البحث من تطبيقات، يعتبر مستندا ومسوغا للقراءات المعاصرة التي تسعى إلى جعل النص القرآني مادة هلامية يشكلها قارئه كما يريد، وخاصة أنها تتجاوز معهود الخاطبين في عصر التنزيل في استعمالاتهم اللغوية والبلاغية التي تعتبر شرطا أساسيا في التفسير؛ لذا علينا أن نكون موضوعيين أولا، ومنسجمين مع أنفسنا ثانيا، وفاء لقدسية القرآن الكريم، وإبرازا لفاعليته البعيدة عن القراءة الإسقاطية، مما يعكس المبادئ والقيم والمقاصد التي جاء بها ولأجلها، دون أن نلجأ إلى مثل هذه القراءات التي كان من أبرز أسباب وجودها ردة الفعل تجاه التقدم العلمي في الغرب.
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:25 am

    ثالثًا: التفسير بالإشارة:

    ما هو التفسير الإشاري؟


    التفسير الإشاري هو تأويل القرآن على خلاف ظاهره ,لإشارات خفية تظهر لبعض أولي العلم المخلصين ممَّن نور الله بصائرهم فأدركوا أسرار القرآن العظيم,أو انقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة بواسطة الفتح الرباني, مع إمكان الجمع بينها وبين الظاهرالمراد من الآيات الكريمة. ([1])وهذا علم وهبي يُنال بالتقي والاستقامة والصلاح لقوله تعالى:{ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ }{البقرة:282}.

    وهذا النوع من التفسير اختلف العلماء فيه, فمنهم من أجازه ومنهم من منعه حتى لا يكون مدعاة للتفسير بالهوى والتلاعب في آيات الله كما فعل الباطنية فيكون ذلك زندقةً وإلحادًا.

    واستدل المجيزون بما رواه البخاري في صحيحه عند تفسير سورة النصر: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر:1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا, وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا, فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا , قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ, قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا }[النصر:3] فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ ".
    فهذا الفهم من ابن عباس لم يفهمه بقية الصحابة الموجودين,وإنما فهمه عمر وابن عباس فقط.

    واستدلوا أيضًا بالحديث الذي في الصحيحين:
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا" فأبو بكر فهم بطريق الإشارة أن رسول الله
    هو العبد المخير ولم يفهم ذلك باقي الحاضرين.

    ولقد بالغ قوم في التفسير بالإشارات والخواطر وفتنوا بذلك حتى ظنوا أنّ ما جاء في الكتاب والسنة ما هو إلاّ سوانح وواردات, وشطحوا مع تخيلاتهم , ولم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولا قوانين اللغة التي نزل بها القرآن, وخيّلوا للناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله تعالى وأخذوا عنه بلا واسطة,وأسقطوا التكاليف الشرعية بتأويلاتهم الباطلة,فهدموا الدين وأتوا على بنيانه من القواعد.
    والحق أن هذا التفسير قد خاض فيه الكثير من أهل البدع والضلالات و جَرَّ على الإسلام والمسلمين كثيرًا من الانحرافات, لذا تجد أكثر المشتغلين به من الصوفية([2]) والباطنية وغيرهم ممن حاد عن طريق سلف هذه الأمة المباركة, وقليل جدًا من أتى بإشارات مقبولة لا تتعارض مع ظاهر الآيات القرآنية.وقد عني الألوسي في تفسيره (روح المعاني) بذكر بعض الإشارات المقبولة في الآيات التي يقوم بتفسيرها بعد أن يذكر أولاً أقوال السلف وآراءهم في تفسيرها دراية ورواية. فتفسير الألوسي هذا جامع لكل أقسام التفسير, وهو خلاصة لما سبقه من التفاسير.



    * شروط قبول التفسير الإشاري:

    وضع بعض العلماء شروطًا لقبول التفسير الإشاري وهي([3]):

    1- عدم التنافي مع المعنى الظاهر في النظم القرآني الكريم. كقول بعض الشيعة الإمامية الباطنية أن المقصود بالبقرة في قوله تعالى:{ {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}{البقرة:67} هي عائشة أم المؤمنين, قبحهم الله.وكذا في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ* تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
    }{النازعات:6-7} قالوا:الراجفة:الحسين, والرادفة:أبوه علي رضي الله عنهما.

    2- عدم ادعاء أنه المراد وحده دون الظاهر.

    3- ألاّ يكون التأويل بعيدًا سخيفًا لا يحتمله اللفظ. كتفسير الشيعة الباطنية لقوله تعالى:{ وورث سليمان داود}{النمل:16} بأن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورث النبي
    ,

    4- ألاّ يكون له معارضٌ شرعيٌ أو عقليٌ.

    5- ألاّ يكون فيه تشويش على أفهام الناس.وفي البخاري قال علي رضي الله عنه:" حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ, أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" . وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه: عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً ".

    وبدون هذه الشروط لا يقبل التفسير الإشاري ويكون من التفسير بالهوى, ومن الإلحاد في آيات الله تعالى.وهو عين ما يفعله الباطنية وسائر الملاحدة إذ يرون أن الظاهر غير مرادٍ أصلاً وإنما المراد الباطن الذي يفسرون به الآيات, وقصدهم من هذا نفي الشريعة وإبطال الأحكام, وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }{فصلت:40}.

    وللحديث بقية.....
    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:26 am

    قال السيوطي في الإتقان :
    وأَما كلام الصوفيّة في القرآن فليس بتفسير.

    قال ابنُ الصلاح في فتاويه‏:‏ وجدت عن الإِمام أَبي الحسن الواحديّ المفسّر، أَنَّه قال‏:‏ صنَّف أَبو عبد الرحمن السُّلميّ [حقائق التفسير] فإن كان قد اعتقد أَن ذلك تفسير فقد كفر‏.
    قال ابن الصلاح‏:‏ وأَنا أَقول‏:‏ الظنّ بمن يوثَق به منهم - إذا قال شيئاً من ذلك - أَنَّه لم يذكره تفسيراً، ولا ذهب به مذهبَ الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنيّة، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن؛ فإنَّ النظير يُذكر بالنظير، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك، لما فيه من الإِيهام والإِلباس‏.‏
    وقال النسفيّ في عقائده‏:‏ النّصوص على ظاهرها، والعدول عنها إلى معان يدّعيها أَهلُ الباطن إلحادٌ‏.‏
    قال التفتازاني في شرحه‏:‏ سُمِّيت الملاحدة باطنيّة لادّعائهم أَنَّ النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنيّة لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكليّة‏.‏
    قال‏:‏ وأَما ما يذهب إليه بعض المحققين من أَنَّ النُّصوص على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق، تنكشف على أَرباب السلوك، يمكن التطبيق بينَها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإِيمان، ومحض العرفان‏.‏
    وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقينيّ عن رجل قال في قوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة، الآية: 255]. إنَّ معناه‏:‏ من ذل‏ّ:‏ أَيْ من الذلّ. ذي: إشارة إلى النفس، يشفَ: من الشفا جواب (مَنْ). عُ: أَمر من الوَعْيِ، فأَفتى بأَنه مُلحِد. وقد قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} [فصلت، الآية: 40]. قال ابن عباس‏:‏ هو أَن يوضع الكلام على غير موضعه، أَخرجه ابن أَبي حاتم.
    ‏‏.‏أهـ([1])

    وقال الغزالي في الإحياء في فصل الذكر والتذكير وهو يتكلم عن الشطح عند الصوفية:

    وأما الطاعات فيدخلها ما ذكرناه من الشطح, وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة, فهذا أيضًا حرام وضرره عظيم. ومن أمثلة تأويل هذه الطامات:

    قول بعضهم في تأويل قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى }{طه:24} إنه إشارة إلى قلبه,وقال هو المراد بفرعون, وهو الطاغي على كل إنسان.

    وفي قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}{القصص:31} أي:كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه.

    وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"تسحّروا فإن في السحور بركة"[متفق عليه] فسّروا السحور بأنه الاستغفار في الأسحار, وأمثال ذلك. حتى ليحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره, وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء, وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعًا, كتنزيل فرعون على القلب, فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده,وبعضها يُعلم بطلانه بغالب الظن, وكل ذلك حرام وضلالة, وإفسادٌ للدين على الخلق. ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات, مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ, يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع-أي الكذب- على رسول الله صلى الله عليه وسلم, كمن يضع في كل مسألة يراها حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ظلمٌ وضلال, ودخول في الوعيد "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"[متفق عليه] بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم, لأنه مبطلٌ للثقة بالألفاظ, وقاطعٌ طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية. أهـ ([2])

    وللحديث بقية...


    avatar
    دار الندوة

    المساهمات : 155
    تاريخ التسجيل : 15/04/2010

    رد: أنواع التفسير

    مُساهمة من طرف دار الندوة في الثلاثاء مايو 04, 2010 2:27 am

    وقال السيوطي في كتابه الإتقان تحت عنوانSad غرائب التفسير ):

    َألف فيه محمود بن حمزة الكرمانيّ كتاباً في مجلدين، سماه [العجائب والغرائب] ضمَّنه أَقوالاً - ذكرت في معاني الآيات - مُنكرة، لا يحل الاعتماد عليها ولا ذكرها إلاَّ للتحذير منها‏.
    من ذلك من قال في {حـمۤ عۤسۤقۤ} : إنَّ الحاء حرْب عليّ ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العبَّاسية، والسين ولاية السّفيانية، والقاف قدوة مهدي. حكاه أَبو مسلم، ثم قال‏:‏ أَردت بذلك أَن يُعلَم أَنَّ فيمن يدَّعي العلم حَمْقَى‏.
    ومن ذلك قول من قال في {الۤمۤ} معنى (أَلف)‏ ألف الله محمداً فبعثه نبياً، ومعنى (لام)‏ لامه الجاحدون وأَنكروه، ومعنى (ميم)‏ مِيَم الجاحدون المنكرون، من الموْم وهو البرْسام.
    ومن ذلك قول من قال في: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة، الآية: 179]: إنَّه قصص القرآن، واستدلَّ بقراءة أَبي الجوزاء‏:‏ (ولكم في القَصَص) وهو بعيد، بل هذه القراءة أَفادت معنى غير معنى القراءة المشهورة، وذلك من وجوه إعجاز القرآن، كما بيَّنته في [أَسرار التنزيل]‏.‏
    ومن ذلك ما ذكره ابن فُورَك في تفسيره في قوله: {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] . إن إبراهيم كان له صديق، وصفه بأَنه (قلبه)‏ أَي ليسكن هذا الصديق إلى هذه المشاهدة إذا رآها عياناً‏.قال الكرمانيّ‏:‏ وهذا بعيد جداً‏.
    ومن ذلك قول من قال في: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة، الآية: 286]: إنه الحُب والعشق، وقد حكاه الكواشيّ في تفسيره‏.‏
    ومن ذلك قولُ مَنْ قال في:{وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [العلق، الآية: 3].إنه ...(وذكر كلمة عن الفرج لا أذكرها حياءً)
    ومن ذلك قول أبي معاذ النحوي في قوله تعالى: {الَّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ} : يعني إبراهيم {ناراً} أَي نوراً، وهو محمد صلى الله عليه وسلم {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80]. تقتبسون الدين.أهـ([1])



    وأعجب من ذلك أن وصل الحال ببعض أصحاب الكشف كابن روزبهان في تفسيره (الصفحة 21 طبعة الهند) أن قال في ( تأويل آية السجود لآدم -بالكشف):قال الحسن بن منصور : " لما قيل لإبليس : اسجد لآدم ، خاطب الحق فقال : ارفع شرف السجود عن سري إلا لك في السجود حتى أسجد له ، إن كنت أمرتني فقد نهيتني ، فقال له : فإني أعذبك عذاب الأبد ، فقال : أو لست تراني في عذابك لي ؟ فقال : بلى ، فقال : فرؤيتك لي تحملني على رؤية العذاب, افعل بي ما شئت ".([2]),.
    : فلتقر عيون أصحاب الكشف - ابن روزبهان وأمثاله - بهذه المكاشفة ونظائرها المخالفة لحكم العقل ، وصريح القرآن ، وضرورة الدين. نعوذ بالله من الضلال وأهله.





    --------------------------------------------------------------------------------

    [1]- الإتقان (4/202-203)

    [2] -تفسير البيان ص: 474

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 9:32 am